فصل: فصل: الطائفة الرابعة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


فصل‏:‏ الطائفة الرابعة

غلاة الغلاة من الفلاسفة، الجهمية، والقرامطة والباطنية وغيرهم‏.‏

وطريقتهم أنهم أنكروا في حق الله تعالى‏:‏ الإثبات والنفي، فنفوا عنه الوجود، والعدم، والحياة والموت، والعلم، والجهل ونحوها وقالوا‏:‏ إنه لا موجود ولا معدوم، ولا حي، ولا ميت، ولا عالم، ولا جاهل ونحو ذلك‏.‏

وشبهتهم أنهم اعتقدوا أنهم إن وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات وإن وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات‏.‏

والرد عليهم من وجوه‏:‏

الأول‏:‏ أن تسمية الله ووصفه بما سمى ووصف به نفسه ليس تشبيهًا ولا يستلزم التشبيه، فإن الاشتراك في الاسم والصفة لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، وتسميتكم ذلك تشبيهًا ليس إلا تمويهًا وتلبيسًا على العامة والجهال ولو قبلنا مثل هذه الدعوى الباطلة لأمكن كل مبطل أن يسمي الشيء الحق بأسماء ينفر بها الناس عن قبوله‏.‏

الثاني‏:‏ أنه قَدْ علم بضرورة العقل والحس أن الموجود الممكن لابد له من موجد واجب الوجود، فإننا نعلم حدوث المحدثات ونشاهدها، ولا يمكن أن تحدث بدون محدث، ولا أن تحدث نفسها بنفسها لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 35‏]‏‏.‏ فتعين أن يكون لها خالق واجب الوجود وهو الله تعالى‏:‏ ففي الوجود إذًا موجودان‏:‏

أحدهما‏:‏ أزلي واجب الوجود بنفسه‏.‏

الثاني‏:‏ محدث ممكن الوجود، موجود بغيره، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يتفقا في خصائصه، فإن وجود الواجب يخصه، ووجود المحدث يخصه‏.‏

فوجود الخالق واجب أزلي ممتنع الحدوث أبدي ممتنع الزوال، ووجود المخلوق ممكن حادث بعد العدم قابل للزوال، فمن لم يثبت ما بينهما من الاتفاق والافتراق لزمه أن تكون الموجودات كلها إما أزلية واجبة الوجود بنفسها أو محدثة ممكنة الوجود بغيرها وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار‏.‏

الثالث‏:‏ أن إنكارهم الإثبات والنفي، يستلزم نفي النقيضين معًا وهذا ممتنع، لأن النقيضين لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما، بل لابد من وجود أحدهما وحده فيلزم على قياس قولهم تشبيه الله بالممتنعات لأنه يمتنع أن يكون الشيء لا موجودًا، ولا معدومًا، ولا حيًا، ولا ميتًا، إلا أمرًا يقدره الذهن ولا حقيقة له، ووصف الله سبحانه بهذا مع كونه مخالفًا لبداهة العقول كفر صريح بما جاء به الرسول‏.‏

فإن قالوا‏:‏ نفي النقيضين ممتنع عما كان قابلًا لهما أما ما كان غير قابل لهما كالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بالسمع والصمم فإنه يمكن نفيهما عنه فيقال ‏:‏ ليس بسميع ولا أصم‏.‏

فالجواب من أربعة أوجه‏:‏

الوجه الأول‏:‏ أن هذا لا يصح فيما قالوه من نفي الوجود والعدم فإن تقابلهما تقابل سلب وإيجاب باتفاق العقلاء فإذا انتفى أحدهما لزم ثبوت الآخر، فإذا قيل ‏:‏ ليس بموجود‏.‏ لزم أن يكون معدومًا‏.‏ وإذا قيل‏:‏ ليس بمعدوم لزم أن يكون موجودًا، فلا يمكن نفيهما معًا ولا إثباتهما معًا‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن قولهم في الجماد ‏:‏ إنه لا يقبل الاتصاف بالحياة، والموت، والعمى، والبصر، والسمع، والصمم ونحوها مما يكون تقابله تقابل عدم وملكة قول اصطلاحي لا يغير الحقائق مردود بما ثبت من جعل الجماد حيًا كما جعل الله عصا موسى حية تلقف ما صنعه السحرة وقد وصف الله تعالى‏:‏ الجماد بأنه ميت في قوله‏:‏ ‏{‏والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون ‏.‏ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏20‏:‏ 21‏]‏‏.‏ وأخبر أن الأرض يوم القيامة تحدث أخبارها وهي ما عمل عليها من خير وشر وهذا يستلزم سمعها لما قيل ورؤيتها لما فعل‏.‏

الوجه الثالث‏:‏ أن الذي يقبل الاتصاف بالكمال أكمل من الذي لا يقبله فما يقبل أن يوصف بالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر ولو كان خاليًا منه أكمل مما لا يقبل ذلك، فقولكم إن الرب لا يقبل أن يتصف بذلك يستلزم أن يكون أنقص من الإنسان القابل لذلك حيث شبهتموه بالجماد الذي لا يقبله‏.‏

الوجه الرابع‏:‏ أنه إذا كان يمتنع انتفاء الوجود والعدم فانتفاء عدم قبول ذلك أشد، وعلى هذا يكون قولهم ‏:‏ إن الرب لا يقبل الاتصاف بالوجود والعدم مستلزمًا لتشبيهه بأشد الممتنعات‏.‏